سعيد حوي

1688

الأساس في التفسير

وبعد هذا الذي قدّمناه عن وحدة المقطع ، ومحله في السياق الخاص لسورة الأنعام ، وصلته بمحور السّورة من البقرة ، فلننقل ما قدّم به سيد قطب لهذا المقطع مبيّنا وحدته وتلاحمه قال رحمه اللّه : « هذا الدرس بطوله لحمة واحدة ؛ يتناول موضوعا متصل الفقرات . . إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة - وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية . وما بينهما من ارتباطات - ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة . . يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه . . مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة . . ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات ؛ وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة . . والدرس - في جملته - يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح - عليه السلام - إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية - كما تتجلى في فطرة عبد من عباد اللّه الصالحين ، إبراهيم عليه السلام - ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة ، وهي تبحث عن إلهها الحق ، الذي تجده في أعماقها ، بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها . . إلى أن يخلص لها تصور حق ، يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق . ويقوم على ما تجده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس . ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليه السلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق ، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ . قالَ : أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ . إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ، أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ؟ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً ؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ . ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول ؛ يقوده الرهط الكريم من رسل اللّه على توالي العصور ؛ حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له . يتناثر على جانبي الموكب الجليل ، الماضي في طريقه الموصول . وحيث يلتحم آخره مع أوله ، فيؤلف الأمة الواحدة ، يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها ، دون اعتبار لزمان أو مكان ودون اعتبار لجنس أو قوم ، ودون اعتبار لنسب أو لون . . فالحبل الموصول